تذكار استشهاد القديس نيقام (بيفام) التائب

هو ابن أحد أراخنة الأقباط، يُدعى بقيرة الصواف، وكان معاصرًا للبابا خرستوذولوس (١٠٦٤-١٠٧٧م)، وكان مستهترًا للغاية، عاصيًا لوالديه.
إذ انتهره والده في إحدى المرات، ترك البيت وانضم إلى مجموعة من الشباب الأشرار الذين أغروه، فجحد الإيمان، وقطع صلته بوالديه وبالكنيسة، مع أن خاله هو الأنبا جرجس أسقف ميسارة، في نواحي قسقام والقوصية.
وبعد زمان رجع إلى نفسه وأدرك خطورة ما فعله، وقدّم توبة صادقة. التقى بأحد الرهبان القادمين إلى القاهرة لقضاء شئون الدير، فأشار عليه أن يترك القاهرة وينضم إلى أحد الأديرة ليمارس حياة التوبة، وبالفعل ذهب إلى دير الملاك ميخائيل.
وهناك شعر بندامةٍ شديدةٍ، وكان ضميره يعذبه كيف يجحد إيمانه علانية ويتوب خفية، فصمم أن يعلن إيمانه جهاراً وسط الذين أنكره أمامهم. طلب من الآباء الرهبان أن يسندوه بصلواتهم، ثم ودعهم وانصرف.
لبس نيقام زنارًا في وسطه، ووضع صليبًا على صدره، وأخذ يطوف أسواق القاهرة وشوارعها مرتديًا هذه الملابس التي كان يلتزم بها المسيحيون في ذلك الوقت.
تعجب الناس لموقفه وتساءل كثيرون إن كان هو نفسه نيقام الذي أنكر الإيمان. أما هو فقال بكل شجاعة: “نعم أنا هو نيقام (بفام)، وقد ندمت على ما فعلت، ورجعت إلى إيماني بالسيد المسيح، ولن أرضى به بديلًا”. فتجمهر حوله البعض، وألقوا القبض عليه، واقتادوه إلى الوالي لمحاكمته.
حاوره القضاة وحاولوا إثناء عزمه، تارة بالوعود وأخرى بالوعيد، أما هو فكان ثابتًا على إيمانه. ألقوا به في السجن حتى يتم الحكم بقتله. هناك التقى براهبٍ قديسٍ كان من نزلاء السجن، أخذ يشجعه للشهادة للسيد المسيح حتى الموت.
حاول والده إنقاذه إذ كان على صلة قوية بأحد أمراء جيوش المستنصر. تكلم مع صديقه فأخبره أنه لا طريق لإنقاذه إلا بأن يرسل إليه بعض الأشخاص في السجن فيتظاهر بالجنون، فيشهدون بذلك أمام القضاة ويحكمون بإطلاقه.
أرسل الأمير رجاله إلى السجن، فلم يقبل أن يتظاهر بالجنون، بل بكل تعقلٍ واتزانٍ شهد لمسيحه. دُهش الأمير لموقف نيقام الجريء الشجاع، ولم يكن هناك طريق سوى تنفيذ القضاء عليه.
قاده الجلادون إلى ساحة الاستشهاد بجزيرة الروضة التابعة حاليًا لقسم مصر القديمة بالقاهرة بجوار منيل الروضة. تبعه عدد كبير بين حزينٍ وشامتٍ حتى جاءوا به إلى رأس الجسر، في موقع “كوبرى الملك الصالح” بمصر القديمة حاليًا. هناك نزل رئيس الشرطة المكلف بقتله عن بغلته واستل سيفه، وقال له: “أعطيك هذه البغلة ولجامها المُحلى بالذهب وسرجها النفيس، وأثبت اسمك في ديوان السلطان، وأجعل لك راتبًا ضخمًا إن رجعت عن رأيك يا نيقام (بفام)”.
التفت إليه نيقام وبكل شجاعة قال له: “لو أعطيتني كل مملكة مصر لما أعرته اهتمامًا”. اغتاظ رئيس الشرطة، وصفعه على وجهه وكان يلبس خاتمًا في إصبعه، فتورمت عينه في الحال. أما هو فكان بصبرٍ واحتمالٍ يشكر الله.
عاد رئيس الشرطة يهادنه ويقدم له إغراءات جزيلة، أما هو فبكل قوة قال له: “لا تتعب نفسك مع إنسانٍ تأكد أن كل مجد العالم لا يساوي شيئًا يسيرًا من ملكوت السموات الذي يرغب الحصول عليه”. ثم صلى ورشم نفسه بعلامة الصليب وجثا على ركبتيه وهو شاخص إلى السماء نحو الشرق.
حاول أحد الوقوف من المسيحيين أن يغطي رأسه حتى لا يجزع من رهبة الموت لكن الجنود منعوه. فناداه قائلًا: “تشجع يا جندي المسيح، فإنني أرى ملاكًا فوق رأسك وبيده إكليل جهادك”.
ضرب الجلاد رقبته، فطارت رأسه وسلم روحه في يد مخلصه وهو في الثانية والعشرين من عمره.
تُرك جسمه في العراء تحت حراسة مشددة، وفي منتصف الليل ظهر نور عظيم أشرق على الجسد، فذُهل الحراس وارتعبوا.
إذ سمع الخليفة المستنصر بذلك أمر بدفنه، فجاء والد الشهيد نيقام (بفام) ودفن جسده عند كنيسة الملاك المختارة، بجوار بستان المختار الذي غرسه الأخشيد بجوار مقياس الروضة. استمرت هذه الكنيسة قائمة إلى زمن البابا مكاريوس الثاني (١١٠٢-١٢٢٨م).
بعد ثلاثة أيام من استشهاده جاء البابا خريستوذولوس إلى الكنيسة وأمر بأن يُدفن داخل الكنيسة. وإذ أخرجوه من القبر كشف البابا أكفانه ليتبارك منه ودفنه فى مقبرة خاصة داخل الكنيسة بإكرام جزيل. وعندما هدمت الكنيسة، نُقل الجسد الطاهر إلى كنيسة الملاك ميخائيل القريبة من حصن بابليون والتي هى الآن كنيسة الملاك ميخائيل القبلي بمصر القديمة، وما زالت رفاته الطاهرة موجودة بها إلى الآن.
بركة صلواته تكون معنا.
ولربنا المجد دائمًا أبدياً. آمين.


0 comments