القديسة أناسيمون الملكة السائحة 






“من يغلب فسأعطيه أن يجلس معى فى عرشى”. (رؤ 3 : 21)
تعتبر هذه السيرة من أروع السير فى إنكار الذات والإخلاء العجيب ، وتذوق شركة الآلام الحلوة مع مخلصنا الصالح ، هذه العذراء التى كانت ملكة على سبعة أقاليم وتركت تنعمات المملكة الزائلة وفى فكرها تحذير القديس يوحنا الحبيب البتول (بقدر مامجدت نفسها وتنعمت بقدر ذلك أعطوها عذابا وحزنا)- (رؤ 18 : 7)
حقا كثيرون تركوا تنعمات العالم الفانى مثل مكسيموس ودوماديوس أولاد الملك وأرسانيوس معلم أولاد الملوك ، وأنبا كيروس السائح كان أخا لملك ، والقديسة إيلارية إبنة الملك زينون .. إلا أن هذه القديسة سلكت طريقا أصعب يقول عنه القديس ماراسحق السريانى “وطائفة كانوا يتشكلون بزى المجانين الجهال لئلا يعرف قدرهم ويتمجدوا بما فيهم من السيرة الفاضلة المكتومة). فهى كانت تبتهج بالاهانة وتسعى وراء المحقرة ، ولذلك أطلق عليها إسم (الهبيلة) وكان لهذا اللقب أثر كبير فى سعادتها وفرحها.
نشأتها وتأثرها بحياة القديسين: –
كان أحد عظماء ملوك الروم قد أنجب إبنة وحيدة أسماها أناسيمون ، نشأت وتربت فى قصر أبيها ، كما يتربى أولاد الملوك حتى بلغت من العمر سبع سنوات وحينئذ أحضر لها والدها كاهنا عفيفا فيلسوفا وأمره أن يعلمها القراءة والكتابة ويعلمها الفضيلة ومخافة الله ايضا ، وكان هذا الكاهن التقى يقرأ لها أخبار القديسين الأطهار والرهبان والمتوحدين والنساك والعجائب التى يصنعها الرب معهم ، وعن الشهداء وكيف احتملوا بنعمة ربنا يسوع المسيح من أجل عظم محبتهم فيه.
فكانت كلما تسمع تشتاق أن يكون لها ميراث ونصيب مع جملة القديسين ، ثم إبتدأت تتجرد عن زينة بنات الملوك ولباسهن ولبست تحت ردائها ثوب صوف خشن سرا ، وقطعت عنها جميع ملاذ الطعام والشراب دون أن يشعر بها أحد.
وفى احدى الليالى فكرت أن تهرب من القصر الى إحدى ديارات العذارى ولكنها لم تتمكن من ذلك خوفا من والديها ، فبقيت حائرة مفكرة حزينة تبكى كل يوم ، وفى يوم رفعت عينيها الى السماء وقالت :”ياربى يسوع المسيح يامن أحببتنا وبذلت ذاتك عنا ، ويامن تعلم خفايا القلوب ، انت تعرف اشتياقى وشهوتى لأن أحيا لك وحدك ، أتمتع بحبك يامن أحبتك العذارى وتبعك القديسون. أهلنى أنا أيضا حتى أحيا عذراء عفيفة لك أيها الختن الحقيقى ، سهل لى الطريق التى يجب أن أسلكها فى طاعتك ومرضاتك يامن تعطى كل واحد حسب قلبه لأن لك المجد إلى الأبد آمين.”
الله ينظر الى القلب:
لما نظر الرب الى إستقامة قلبها ، أظهر مشيئته الصالحة ، فقد انتقلت والدتها من هذا العالم ، فحدث حزن عظيم بسببها فى المملكة لانها كانت تقية خائفة الله ، وبعد ذلك إنتقل والدها الملك قبل تمام شهر من هذا العام ، وكان أيضا تقيا ورعا ، فتأثرت سائر المدن والأقاليم لأنه كان ملكا عظيما.
فاجتمع عظماء المملكة والقود وإستقر رأيهم جميعا على أن يتوجوا إبنته أناسيمون ويجلسوها على كرسى المملكة. وأسرعوا بترتيب القلاع والحصون ، وذهبوا وأخذوها قسرا على غير إختيارها ورغبتها ، وساروا بها الى الكنيسة فصلى عليها البابا البطريرك والأساقفة والكهنة وحضر أشراف المملكة ففرح جميع الحاضرين وهللوا بسرور لم يكن مثله منذ زمان.
فلما أمسكت بزمام الأمور وتقلدت المملكة الأرضية بدأت تهب وصيفاتها وخدمها هبات كثيرة ، ثم أوقفت ضياعا على المستشفيات والأديرة وإهتمت بالمساكين والأرامل والأيتام ، وبقيت هى على جارى عادتها فى الصوم والنسك والصلاة وأقامت على هذا المنوال سنة كاملة. فلما أكملت هذه الأعمال الروحانية ، إشتاقت أن تتفرغ وتتكرس من أجل محبة ربنا يسوع المسيح له كل المجد ، فانفردت وحدها فى ليلة ما وقالت لنفسها: “أناسيمون ، أناسيمون ، لقد أعطاك الله جميع شهواتك وبلغك مرادك ، فما هو الدافع لبقائك بعد الآن فى العالم”. إن هذا العالم هو تجارة وكل مافيه شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ، ومحاربات الجسد وعوائق أفكار الخير والقداسة فى العالم كثيرة ، فإن كنتى تريدين أن ترثى ملكوت السموات المملكة العظيمة التى لاتزول ولا تفنى ، فها الآن وقتك حاضر ، لأن ربنا يسوع المسيح قد أعطاكى الآن زمانا ومقدرة ، لأنك فى زمان الشبوبية ، وفى حرية تستطيعى بها أن تذهبى وتسيرى كما تشائين ، ولا أحد يحكم عليكى ، فالآن لا تتأخرى ولا تعطى فرصة لعدو الخير أن يعطلك . أما سمعت قول المخلص له المجد “من لا يأخذ صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى ، ومن وجد حياته يضيعها ، ومن أضاع حياته من أجلى يجدها”. (مت 10 : 38 ، 39).
القلب الممتلىء بمحبة الله:
ثم أنها حققت القول بالفعل ونزعت عنها تاج المملكة وقالت :”لأجل محبتك ياربى يسوع المسيح ، يا من أحببتنى أولا وتفضلا منك ، إننى رفضت مملكة هذه الدنيا الفانية ، فإن كنت أنا أعمل كإمرأة ضعيفة فإعمل أنت معى ياربى كإله قادر أن يتمم مواعيدك الصادقة”.
ثم نزعت عنها أيضا لباس المملكة العظيمة وقالت بفرح عظيم :”ياربى يسوع المسيح تخليت عن هذه أيضا لأجل محبتك”. ثم وضعتها على كرسى المملكة.
وكتبت خطابا للبابا البطريرك قائلة :”لربى وإلهى أودع المملكة التى ورثتها من آبائى وأجدادى تاركة إياها لأجل محبته العظيمة ، أذكرنى فى صلاتك”.
ثم أخذت معها الكتاب المقدس وكتابا صغيرا فيه اخبار الآباء القديسين ولبست ثيابا بالية أخذتها من المطبخ ووضعت غطاء على رأسها ولم تلبس حذاء فى رجليها ولا أخذت معها عصا.
ثم نظرت الى قصرها العظيم وسجدت عند بابه ثلاث دفعات وقبلت الأرض وقالت فى وداعة :”ياربى يسوع المسيح ، ها أنا تركت لعظمتك باب قصرى مفتوحا ، فافتح أنت باب رحمتك فى وجهى لأنك أنت تعلم أن طبيعتى كإمرأة ضعيفة ، فلا تتركنى ولا تتخل عنى لحظة واحدة لاننى مسكينة ، بل كن أنت عونى وأسترنى لأنى لاأعرف أخر سواك.
ورسمت ذاتها بعلامة الصليب وخرجت فى منتصف الليل ، متشددة بقوة ربنا يسوع المسيح ، وأخذت تسير فى طريق البرية طوال ليلتها وملاك الرب يحفظها ، وهى لا تعلم أين هى ولا فى أى أرض تسير ، بل استمرت هكذا حتى ظهر نور الصباح، ولم تقابل انسانا البتة . ومن كثرة سيرها تفتحت رجلاها وسال منها الدم وهى محتملة ندى الليل وحر النهار بفرح عظيم وتهليل وصلاة.
ولكن عدو الخير لم يحتمل كل هذا ، فبدأ يحاربها كعادته بكل أسلحته البالية ، فحاول أن يقلقها بسبب الجوع وعدم وجود أكل ، ولكنها كانت تشكر الله الذى كان يدبر لها الحشائش فى البرية ، وكان أحيانا يذكرها بما تركته وبعظمة المملكة الأرضية ، ولكنها كانت بنعمة المسيح تنتصر على كل حيله ، وكانت مستمرة فى السير وهى لا تعلم أين هى ، يقابلها بعض وحوش البرية وكان الله الضابط الكل يخضعها لها ، بل كانت الوحوش تستأنس بها وتقف حولها تنظر اليها ثم تعود الى أوكارها فى هدوء ، وكانت تقابل أحيانا نوى التمر فتأخذه وتبله فى الماء الذى يصادفها وتقتات به أيضا.
ولكثرة فرحها وإعجابها بتدبير الله معها ، إبتدأت توبخ ذاتها حتى لا تنتفخ بسبب كثرة إحسانات الله عليها ورعايته لها ، وتقول :”الويل لك يانفسى الشقية ، إنك تركت المملكة على العالم الزائل وصرت ملكة على الوحوش؟! بل وأيضا تسمنين نفسك بأكل النوى كما يسمنون الغنم لوقت الذبح”!.
ثم فكرت قائلة إننى أريد أن أجعل نفسى معتوهة ، وأذهب الى أحد الأديرة وأخدم أحقر المواضع فيها وأتعب وأهان وأصبر ، كما احتمل سيدى ومخلصى عنى الآلام والإهانات والصلب.
ذهابها الى الدير:
وبينما هى سائرة دبرت عناية الله أن إقتربت من إحدى ديارات العذارى ، يعرف بدير أرميوس ، وكان به ثلاثمائة راهبة لا يذهب لهن أحد من الرجال إلا الكاهن وشماس يوم الأحد لصلاة القداس الإلهى.
فلما وصلت الى باب الدير تظاهرت بمظهر المغلوبة على عقلها ، المعتوهة ، فلما رأتها الأم المسئولة عن الباب ذهبت وأعلمت رئيسة الدير بذلك ، فخرجت الرئيسة وبصحبتها بعض الراهبات ، فلما رأتهن هربت راجعة الى الخلف ، فقالوا مسكينة هذه الفتاة ولم يزلن كلهن ناظرين اليها فى شفقة وسرن وراءها حتى أمسكوها ودخلن بها الى الدير ، وصارت الإخوات واقفات قدامها يستعجبن ، ثم قالوا لنترك هذه المسكينة لنظافة دروات المياه بالدير ، وهكذا صارت تعمل كما يأمرنها.
ثم صارت تتظاهر بالجنون وتأخذ الطعام من أمام الراهبات ، فلم تكن الراهبات يعاملنها كواحدة منهن ، ولم يأكلن معها ، وهذا كان يدخل السرور الى قلبها كثيرا ، وكانت تذهب الى المطبخ وتقوم بتأدية الخدمات الحقيرة ، وكانت تعتبر ذاتها ممسحة الدير . وكما قال الشيخ الروحانى “الاتضاع هو ان تحسب نفسك مكنسة للزبالة ، وممسحة تستقبل فيها رزالات الإخوة”. وكوصية رب المجد “من أراد أن يكون فيكم عظيما فليكن لكم عبدا”.
وكانت تنام على المزبلة ، مرتدية على رأسها قطعة من القماش البالية ، ولم تر كل سنى إقامتها بالدير جالسة على المائدة ، بل كانت تنظفها وتقتات بالفتات والفضلات والبقايا التى بالأوانى.
ولم تكن تغضب إطلاقا من أية واحدة. ولم تشك أو تتذمر أو تتكلم لا بقليل ولا بكثير مهما احتقرت بأى صورة، لانها وضعت فى قلبها أنها أحقر من جميعهن وأنها معتوهة ومجنونة ، على الأقل فى نظرهن ، وكانت تحاول أن تثبت هذه النظرة لكى لا تكرم بأى صورة ، وأقامت هكذا عدة سنوات وهى سعيدة جدا بذلك.
الله يعلن قداستها:
ولما جاء الوقت الذى أراد فيه ربنا يسوع المسيح أن يظهر قداستها ، دبر طريقة عجيبة ، إذ كان الأنبا دانيال قمص برية شيهيت قد طلب من رب المجد أن يريه رتب الأباء القديسين ، فاستجاب ربنا يسوع المسيح صلاته وأراه رتب الأباء ، وقال له “هؤلاء كلهم وحتى أنت لم تصلوا الى مرتبة عذراء قديسة تدعى أناسيمون هذه التى تركت مملكتها وسلطتها وجعلت نفسها مجنونة ، فإذا أردت أن تراها إذهب الى دير أرميوس فستجد عذراء على رأسها رباط ممزق فهذه بينما تهان أوترذل لم تسمح قط لعقلها أن ينفصل عن الله ، وأما المقيمون فى هذا المكان فقد تدهش أفكارهم فى المدن وتنفصل عن الله”.
فلما سمع الانبا دانيال تعجب جدا وقام وأخذ تلميذه وقال له إمض بنا الى هذا الدير الذى لهؤلاء العذارى وعرف الأم الرئيسة بقدومها اليهن.
فذهب التلميذ وقرع باب الدير فأجابت الأم المسئولة عن الباب بصوت هادىء قائلة:” من بالباب ؟ وماذت تريد؟
فقال التلميذ: أريد أن أتكلم مع الأم الرئيسة.
فقالت له: أخبرنى ماذا تريد وأنا أعرفها.
فقال لها: قولى للأم الرئيسة هوذا راهب يريد التكلم معك.
فمضت واستدعت الأم الرئيسة وجاءت الى عند الباب وقالت له : ماذا تريد؟
فقال لها: إصنعى محبة وإقبلينا هذه الليلة أنا وأبى لئلا تأكلنا الوحوش.
فأجابته قائلة : ليست لنا عادة أن يبيت عندنا رجل ، والأفضل أن تأكلك وحوش البرية من أن تأكلكما السباع الجوانية الذين هم الأعداء الشياطين.
فقال لها التلميذ : إنه أبونا دانيال القمص أرسلنى اليك.
فلما سمعت أنه الأنبا دانيال قمص برية شيهيت ، خرجت مسرعة الى الباب والعذارى يجرين خلفها الى موضع القديس وهن مبتهجات ، وماأن وصل الدير حتى قدمن له لقانا فيه ماء وغسلن رجليه ، وبعد غسل رجليه إبتدأت العذارى يأخذن من هذا الماء ويغسلن وجوههن.
فسأل الأنبا دانيال : هل أنتن جميعكن اللاتى بالدير؟
فأجبنه أنه لا توجد إلا أخت واحدة . فطلب أن تحضر اليه. فقلن لها إنها هبيلة وهى مطروحة عند الباب.
فقام الأنبا دانيال وذهب عند الباب وأخذ يتطلع الى أن أبصرها ورأى على رأسها الرباط الممزق وعليها إكليل نورانى وحلة سمائية بهية ، ولكن الإخوات لم يبصرن عليها شيئا سوى ثيابها السوداء المذرية.
أما هى فلم تتقدم نحوه لكى تسلم عليه ولم تلتفت الى كلامه مثل بقية الراهبات ، فطلب منها الإخوات أن تقبل يدى الأنبا دانيال وتأخذ بركته ، ولكنها لم تقف له.
فقلن للأنبا دانيال ياأبانا تباعد عن هذه الأخت المعتوهة ، وقالت له الأم الرئيسة إننى فكرت أن أخرجها من الدير ولكننى خشيت لئلا تحسب على خطية.
فقال لهن الأنبا دانيال :”حقا أنا هو المعتوه ، أنا هو الجاهل ، أنا هو المسكين”. ثم تركها ومضى معهن ، فقدمن له طعاما ليأكل هو وتلميذه.
وبعد الأكل قال لتلميذه : “ياابنى إسهر معى الليلة ولا تنم لترى عظم فضائل هذه القديسة التى يدعونها هبيلة”.
وبينما الأنبا دانيال وتلميذه مراقبينها فى الليل ، إذ بعد فترة من الليل تقوم القديسة فى الظلام منتصبة ورافعة يديها مع قلبها الى السماء ، وفتحت فاها بالتسابيح والصلوات ، وتصنع مطانيات كثيرة ، وكانت دموعها تجرى من عينيها مثل ينبوع فائض من أجل عظم محبتها وحرارة الروح التى تلهب قلبها بلا فتور.
وكان هذا هو عملها فى كل ليلة ، وإذا سمعت صوت أحد قريبا منها كانت تطرح نفسها على الأرض وتتظاهر انها نائمة ، وكان هذا هو تدبيرها جميع أيام حياتها منذ حضورها الى الدير.
فقال الأنبا دانيال لتلميذه: “إذهب استدعى الأم الرئيسة بسرعة وهدوء”.
فلما حضرت الأم الرئيسة نظرت تلك الأخت المغبوطة المحبة حقا لربنا يسوع المسيح إلهنا والنور يتوهج من يديها والملائكة تلازمها فى سجودها وقيامها فقالت ، الويل لى أنا الشقية.
ثم دقت ناقوس الدير ، فاجتمعت الأخوات ، ثم أمسك الأنبا دانيال يد تلك القديسة وسقط على الأرض امامها وقال لها سامحينى ، وسقطت هى تحت قدميه وقالت له : باركنى أنت ياأبى.
فقالت له الراهبات باندهاش :”ياأبانا لا تجلب لنا إهانة إنها معتوهة”.
فخاطبهن قائلا:” نحن المعتوهون، هذه القديسة هى الأم الروحانية لكن ، وبركة لى، وأنا أتوسل الى الله تبارك اسمه لعلى أحسب مثلها مستحقا لميرات ملكوت السموات مع آبائنا القديسين ، إفتحن أعينكن وأنظرن إلى هذه القديسة المطوبة الطاهرة الملكة العظيمة”. وكانت القديسة ترتعد وهو ماسك يدها ويقول :”هذه أناسيمون صاحبة سبعة أقاليم ، هذه التى أعلمنى ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح أن أكثر الآباء ما وصلوا ال درجتها ، إذ أنها تركت قصرها وكل مملكتها طالبة الإمتلاء من محبة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بكل قلبها” .
فما أن سمعت الإخوات العذارى ذلك الكلام حتى أخذن فى البكاء والعويل وإبتدأن يلعن أنفسهن على ماسبق أن صدر منهن من الخطأ إليها ، ثم طرحن أنفسهن تحت قدميها وهن باكيات قائلات لها:”إغفرى لنا خطايانا نحوك ياسيدتنا الطاهرة”. وإبتدأن يعترفن كل واحدة كيف كانت تعاملها أو تفكر من جهتها ، ثم صلى عليهن الانبا دانيال وحاللهن.
هروب من المجد الباطل:
اما هى فلما علمت أنهن قد عرفن خبرها وأن أمرها قد كشف لم تستطع أن تحتمل إعتذارهن ومديحهن والكرامة التى أظهرنها لها. بل كانت كحمل ثقيل عليها ، لذلك فكرت فى ترك الدير ، ثم كتبت ورقة وعلقتها عند باب الدير قائلة فيها:”أنا الشقية بسبب شقاوتى ومعاندة العدو لى أخرجنى من بينكن وأبعدنى عن وجوهكن المملوءة حياة ، إهانتكن لى كانت ربح لنفسى ، وضجركن على كان ثمرة تجمع كل يوم ، إستقلالكن عنى كان رأس مال وفائدة تزداد كل يوم وكل ساعة ، مباركة تلك الساعة التى قيل لى فيها ياهبيلة يا مجنونة ، وأنتن مسامحات من جهتى ، بريئات من الخطية وإنى قدامكن وقدام المنبر سوف أجاوب عنكن لأجلى ، ليس فيكن مستهزئة ، ولا من هى محبة للغنضرة ولا للباس ولا للشهوة ، بل كلكن نقيات ، صلوا عنى”.
وكانت هذه أخر رسالة كتبتها حتى تريح ضمائرهن وأفكارهن.
ثم فتحت باب الدير سرا ، وخرجت ولم يعلم أحد منهن أين ذهبت ، فخرج الأنبا دانيال وجميع الأخوات للبحث عنها ، فلم يجدوا لها أى أثر سوى هذه الرسالة المباركة ، ولم يعلموا إلى أين توجهت ، فحزنوا عليها جدا.
ثم قال لهن الأنبا دانيال:”ماكان حضورى للدير هذه المرة إلا لأجل هذه القديسة العظيمة ” ثم باركهن وانصرف.
أين ذهبت:
يخبرنا كاتب السيرة المباركة وهو كاهن تقى كان بمدينة الإسكندرية أنه فيما هو قائم وحده يصلى بصحن الكنيسة فى يوم خميس العهد قبل أن يحضر أى شخص فى الكنيسة يقول :”وإذا بى أشتم رائحة عطرة عظيمة صادرة من الهيكل فظننت أن جمرة نار وقعت فى درج البخور ففاحت منها هذه الرائحة الشديدة فأسرعت وفتحت باب الهيكل وإذا بى أجد شخصا واقفا يصلى والأبواب مغلقة فأخذتنى الرعدة حتى أننى وقعت على وجهى مغشيا على ، فأمسك ذلك الشخص بيدى وأقامنى وقال لى لا تخف ، ثم دعانى باسمى ، فحينئذ زال عنى كل خوف ، وبعد ذلك قال لى إسمح إعطنى قليل دقيق وقليل خمر فإننى أريد أن أعمل قربان خميس العهد لأربعمائة أخ.
فقلت له: وأين هم هؤلاء الإخوة؟
فقال لى: ليس لك حاجة أن تعرف موضعهم ، ولكن إصنع محبة واربح بركة واعطنى ماطلبته منك.
فأخرجت قليل من الدقيق وقليل خمر وقلت له: هل تريد أكثر من ذلك؟
فقال لى : الله يعوضك ، هذا يكفى.
ثم قلت له: إصنع معى محبة وخذنى معك ، وأرنى هؤلاء الإخوة.
فأجابنى : مالك حاجة فى المضى اليهم.
فتوسلت اليه كثيرا ، فقال لى : فى مثل هذا اليوم انتظرنى ، وأعدد مثل هذه البركة فسأعطيك جوابا . ثم ودعنى وانصرف.
وهكذا كنت بالكنيسة منتظرا ومترقبا طوال السنة حتى جاء ذلك اليوم ، وفى تلك الساعة وأنا بالكنيسة وإذا برائحة البخور قد عبقت ، فقمت مسرعا وفتحت باب الهيكل فوجدت ذلك الشخص قائما ، فطرحت نفسى الى الأرض ساجدا وقلت له: باركنى ياأبى.
فباركنى وأمسك بيدى وأقامنى فقبلت يديه وسألته عن سلامة الإخوة.
فأجابنى : نشكر الله هم بسلام وهم مصلون لأجلك.
ثم طلبت منه أن يأخذنى معه قائلا له: ياأبى حقق لى الذى وعدتنى به.
فقال لى : الأفضل ألا تأتى الآن.
فقلت له : من أجل المحبة اسمح وخذنى معك لأنى مشتاق لأخذ بركة الإخوة.
فأجابنى : ليس الآن ، ولكن اسمح وأعطنى بركة للإخوة لأجل قربان الخميس الكبير.
فأعطيته ما طلب وأنا حزين جدا لفراقه ، فلما رآنى هكذا حزينا جدا قال لى: فى مثل هذا اليوم وهذا الوقت أعدد لى مثل هذه البركة وانتظرنى خارج الإسكندرية ، فأنا أكون عندك بنعمة ربنا يسوع المسيح . ثم أخذ البركة وانصرف بعد أن ودعنى ، وبقيت أنا متعجبا جدا لذلك.
فانتظرت وكانت الأيام طويلة على ، وإذا ظللت الساعات مترقبا ذلك اليوم الى أن جاء الميعاد لأخذ البركة اليه كما طلب ، فأخذت البركة معى وخرجت خارج المدينة منتظرا الى أن أتى الوقت ، وإذا بشخص قد حضر بعلم عالم الخفايا كأنه البرق أو الريح العاصف فلحقنى خوف عظيم.
فقال لى: أعطنى البركة فأعطيته.
ثم قال لى أيضا : هل مازلت تشتهى ان تنظر الإخوة؟
فقلت : نعم ياسيدى لأجل محبة ربنا يسوع المسيح له كل المجد.
فقال لى : عليك أن ترتب ثيابك جيدا ولا يهولك ماتبصر ، وأمسكنى جيدا ، ثم انه رسم الصليب على وجهه قائلا “تشدد” ، ثم مشى ثلاث خطوات ولم أعلم بعد ذلك كيف كان أمرى ، وماكنت أسمع سوى صوت الأهوية وغدير المياه فكنت خائفا مما أنا فيه.
وبعد فترة من الوقت أشرفنا على دير بناؤه عظيم جدا ، ثم أدخلنى كنيسة لم أبصر أحسن منها فى العالم. وبعد فترة بدأ الإخوة يدخلون واحدا واحدا وإثنين إثنين بمنظر روحانى جميل وعجيب . وإذا هم قوم ضعاف الأجساد يظن انهم أشباح. فلما رأيتهم تعجبت كثيرا من منظرهم وهدوئهم ووقارهم ووقفوا فى الكنيسة بكل خشوع كأنهم واقفون فى السماء وليس على الأرض.
ثم بدأوا صلاة القداس بكماله ، وتقدموا للتناول من السرائر المقدسة جميعا.
وبعد ذلك أمرنى ذلك الإنسان الذى أحضرنى للتقدم والتناول معهم ، فتقدمت بخوف عظيم وفرح كثير ، ثم تناولت شاكرا ربنا يسوع المسيح الذى أهلنى لهذه النعمة العظيمة.
وأثناء وقوفى بالكنيسة رأيت شيخا متقدم الأيام وبدون لحية – لم أعلم كم من السنين له فى الدير- كان واقفا بجانب باب الهيكل وأثنان يمسكان بيمينه ويساره لشيخوخته ويبدو عليه القداسة والروحانية والنعمة.
ثم قال القس الذى أحضرنى لهؤلاء الأباء القديسين: ياآبائى باركوا هذا القس فهو الذى يعطينا البركة ، فباركونى. وبعد ذلك قال لى: استعد ياأخى لأردك الى بيتك وبيعتك فإن شعبك محتاج اليك.
فأجبته : ياأبى أرجوك أتركنى ههنا مع آبائى القديسين.
فقال لى: هذا غير ممكن أن هؤلاء أربعمائة أخ لا يأتى ويقيم معهم أحد حتى يتنيح واحد منهم ، فحينئذ يأتى الرب بأخر عوضا عنه حسب إرادته الصالحة.
فسألته قائلا: ياأبى من هو ذلك الإنسان الكبير الواقف بجوار الهيكل بدون لحية.
فأجابنى: ماذاك برجل ياأخى المبارك ، ولكن هذه هى العذراء القديسة الطاهرة أناسيمون الملكة بنت ملك الروم التى ورثت الملك عن أبيها ، وتركت المملكة وخرجت طالبة الرب يسوع المسيح وحده ، وأعرفك ياأخى أنه ليس يوجد فى هذه البرية اليوم أكبر منها سنا ولا أعظم درجة ولا أرفع مرتبة وهى القديسة العظيمة والرئيسة علينا.
فتعجبت جدا وقلت له: ياأبى وكيف يعيش هؤلاء الإخوة.
فأجابنى : منهم من يأكل من ثمار الأشجار ، ومنهم من يقتات بنبات الأرض وإذا جاء اليوم الكبير يجتمعوا جميعهم ليتناولوا جسد ودم ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ويقيمون غدا الجمعة العظيمة والسبت العظيم ويوم أحد القيامة ، يأخذون أيضا الجسد المقدس والدم الكريم اللذين لعمانوئيل إلهنا ، ثم يتباركون وينصرفون ، ولا يجتمع أحد منهم بأخر طوال السنة.
فتعجبت كثيرا جدا ومجدت الله تبارك اسمه على هؤلاء القديسين الروحانيين. ثم قال لى: هيا بنا للمضى الى بيعتك. فخرجت معه وأنا حزين جدا على مفارقة ذلك الموضع المقدس ، وهؤلاء الآباء الأطهار الذين يشبهون الملائكة فهم بشر سمائيون لا يستحقهم العالم ، ثم ودعنى وقال لى: ربنا يسوع المسيح يعينك.
فلما سرت مسافة ما ، أصابنى عطش شديد حتى انطرحت على الأرض ولم أستطع أن أنهض، فيئست من نفسى ، وبينما أنا كذلك نظرت خلفى فوجدت ذلك الشخص ففرحت به كثيرا جدا ، وإذا به يقطع من الأرض نباتا أخضر وقال لى: خذ هذا الحشيش ، فلما أكلته زال عنى الجوع والعطش والتعب.
ثم قال لى: قم إذهب الى بيتك وبيعتك . ولم أعرف ماذا حدث معى إلا إننى بعد قليل وجدت نفسى أمام باب الكنيسة التى أخدم فيها. ثم أمرنى ألا أتكلم عن هذه الأمور مع أحد حتى إلى وقت انتقالى من هذا العالم.
ثم باركنى وانصرف بسلام. واستمر هذا الأب القديس يزورنى كل سنة ويأخذ البركة.
هذا قد عاينته وشهدته بنفسى من أخبار القديسين الأطهار.
بركة صلاتهم فلتكن معنا آمين.


0 comments